عماد الدين خليل

94

المستشرقون والسيرة النبوية

ذلك إلا في فترات تالية ووفق الظروف التاريخيّة التي كان يجتازها حينا بعد حين ، وقد يلتبس هذا المفهوم الوضعي الخاطئ للدين كحركة شاملة ذات أهداف محدّدة ابتداء ، مع واحدة من أشدّ الحقائق أهمية في مسيرة الأديان تلك ؛ هي أنّ كل دين سماويّ لا يتنزل دفعة واحدة ويطلب من المؤمنين به الالتزم بكافة واجباته ومنهياته مرة واحدة ، إنّما يتنزل على مراحل ، وينبني تدريجيا عبر مدى زمني قد يطول وقد يقصر ، وهو خلال صيرورته تلك ، يتعامل مع المراحل التاريخية وفق معطياتها المرحلية لكي يقدر على مد الجسور وإقامة الحوار وتحقيق التأثير المطلوب . هذا إلى أن النمو العقيدي ، وفق هذا المنظور الحركي ، يحقق من النتائج الإيجابية ويا بني من القيم ويعزّز من المبادئ ما لا يتحقق عشر معشاره في حالة التنزل الكامل دفعة واحدة . . ولهذا تنزل القرآن الكريم على مراحل ، وهو يقولها بوضوح : ( وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ) « 1 » . وراح من خلال تنزّله ذاك على مراحل ، يا بني الإنسان المسلم والجماعة المسلمة خطوة خطوة ، ولبنة لبنة ، من أجل أن يستقيم البناء ، ويقدر عن طريق الالتحام بين التعاليم والتاريخ أن يحقّق هدفه حركيا . . وليس وفق طرائق الجدل النظري واللاهوت . ولكن هذا لا يعني البتة أن الأنبياء عليهم السلام ما كانوا يرون أبعد من مواطئ أقدامهم . . وأنهم ما كانوا يعرفون سوى مطالب المرحلة الزمنية التي يعملون خلالها كما يرى المفهوم الغربي للتطور التدريجيّ . إن ( وات ) يقع في إسار هذا المفهوم بسبب من كونه ابن بيئته الثقافية ، لكي ما يلبث أن ينفذه في أكثر من مكان من كتابه عن ( محمد ) فيقع في حشد من الأخطاء .

--> ( 1 ) الإسراء : 106 .